ابن عجيبة

167

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

رضي اللّه عنه : صعد النبي صلى اللّه عليه وسلم الصّفا ، ونادى : « يا صباحاه » : فاجتمع الناس ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « يا بنى عبد المطلب ، يا بنى فهر ، إن أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل ، تريد أن تغير عليكم ، صدقتمونى ؟ قالوا : نعم . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب : تبّا لك سائر اليوم ، ما جمعتنا إلا لهذا » ؟ فنزلت : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ « 1 » . ثم قال : وَاخْفِضْ جَناحَكَ أي : وألن جانبك وتواضع ، وأصله : أن الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه ، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه ، فجعل خفض الجناح مثلا في التواضع ولين الجانب . ويكون ذلك التواضع لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ من قرابتك وغيرهم . فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ أي : أنذر قومك ؛ فإن اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك ، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ، ومن أعمالهم ؛ من الشرك وغيره . وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أي : على الذي يقهر أعداءك بعزته ، وينصرك عليهم برحمته ، فإنه يكفيك شر من يعاديك . الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ للتهجد ، وَ يرى تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ؛ في المصلين . أتبع كونه رحيما برسوله ما هو من أسباب الرحمة ، وهو ذكر ما كان يفعله في جوف الليل ، من قيامه للتهجد ، وتقلبه في تصفح أحوال المتهجّدين ، ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون . وقيل : معناه : ويراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة ، وتقلبك في الساجدين : تصرفه فيما بينهم ، بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم . وعن مقاتل : أنه سأل أبا حنيفة : هل تجد الصلاة بالجماعة في القرآن ؟ فقال : لا يحضرني ، فتلا له هذه الآية . وقيل : تقلبه في أصلاب الرجال . وروى عنه صلى اللّه عليه وسلم في الآية أنه قال : « من نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبيا » « 2 » . إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لما تقول ، الْعَلِيمُ بما تنويه وتعمله . هوّن عليه مشاقّ العبادة ، حيث أخبره برؤيته له ، إذ لا مشقّة على من يعلم أنه يعمل بمرأى من مولاه ، وهو كقوله في الحديث القدسي : « بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلى » . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ينبغي لمن أهّل للوعظ والتذكير أن يبدأ بالأقرب فالأقرب ، ولو علم أنه لا ينتفع به إلا النزر القليل . فمن تبعه على مذهبه فليلن له جانبه وليتواضع له ، ومن أعرض عنه واشتغل بهواه فليتبرأ من فعله ، ولا ينساه من نصحه ، ولذلك قال تعالى : فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ، ولم يقل : « منكم » ، وهذا مذهب الجمهور ،

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الموضع السابق ذكره ( ح 4770 ) و ( تفسير سورة « تبت يدا أبى لهب وتب » ) ، ومسلم في الموضع السابق ذكره ( 1 / 193 - 194 ح 355 ) . ( 2 ) انظر تفسير الطبري ( 190 / 123 - 124 ) وتفسير البغوي ( 6 / 134 ) .